أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
281
التوحيد
إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [ الحجرات : 7 ] ، وبالإفضال بقوله : فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ [ البقرة : 64 ] . فلا يخلو من يستثني من أن يكون عرف صدق نفسه وعظيم نعم اللّه وأفضاله أو لم يعلم ذلك أو علم أنه على غير ذلك ، فإن علم أنه على غير ذلك فبعدا له ، فإن الثنيا لا تنفعه سوى الارتياب فيما زعم أنه لم يعلمه ، وإن لم يعلم صدقه فيما قال ولا امتنان اللّه وأنعامه فويل له ؛ إذ جهل أعظم نعم اللّه وكفر به ، وإن علم ذلك فإن في حرف الشك عند السامعين ستر نعم اللّه وكفران مننه ، فذلك آية الزوال وسبب المحق ، واللّه الموفق . ثم الأصل عندنا أن الثنيا حرف يستعمل في موضع التحرّج ، وهذا موضع لو تحقق الذي له يتحرّج ، لا ينفعه التحرج ، بل يلزمه مقت اللّه ونقمته ، ولو لم يتحقق يلحقه حكم كفران نعم اللّه حيث لم يره منه ولم يشكر له ، إذ أوجب له ولايته وأضاف إلى نفسه الإخراج من الظلمات إلى النور ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم الحق على مذهب المعتزلة والخوارج والحشوية الاستثناء في الدين وبخاصة في الإيمان . فأما عند المعتزلة والخوارج فإنه يخرج من حيث لا يشعر به ويمتنع عن الإجابة من حيث لا يعلم به ، وإذا كان كذلك فهو أبدا في جهل من حاله ، فحقه أن يتسمى به ، وعلى ذلك لم يسمع أحد سمى نفسه برا تقيا زكيا طيبا مطيعا للّه ؛ إذ هو اسم لأحد نوعي الخيرات أو لها جميعا . فالإيمان عند ذلك ما كان لهم التسمي به دون الثنيا . وكذلك الحشوية ، إذ القول عندهم في الإيمان وفي كل من أسماء المدح واحد ، ولا يسمون بغير ذلك بلا ثنيا ، وفي لزوم هو لا في مذهبهم الثنيا . ثم اللّه تعالى قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 104 ] ، في غير موضع باسم مقطوع ، لم يجز أن يستحق شيئا مما جرى الخطاب به من أمر ونهي ووعد ووعيد وترغيب وترهيب ، فيكون عامة آيات اللّه في الخطاب خارجة مخرج عبث ، إذ الحق من جملة المذاهب من لا يلزمه هذا القول بمذهبه قال أو لم يقل ، واللّه الموفق . فإن قال قائل : فقد ذكر اللّه الثنيا في غير موضع الشك ، فيجوز الثنيا على ذلك ، ثم قوله : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [ الفتح : 27 ] . قيل : هذا ليس لكم ؛ لأنّا قد بيّنا تحقيق الشك على مذهبكم ، ثم لم يكن الاحتجاج بخروج عن موضع الشك ولو كنتم كذلك إذ قد ذكر اللّه أهل اليقين في غير موضع باسم القطع ، فقولوا : لا يتم بلا ثنيا ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم يقال : قد ذكر اللّه تعالى " الظن " و " لعلّ " و " عسى " و " الخوف " في موضع اليقين ، فقولوا عند السؤال " نظن " و " نخاف " و " لعل " ، ومثل ذا ، فإذ لم يجب هذا بما العرف فيه عبّر وإن اعترض في مواضع لهذه الأحرف مساغ في حق اليقين